لفتة تاريخية للطيرة: ضابط عراقي عام 1948عن قرية الطيرة- والله لو كانت هذه الضيعة (الطيرة) عندي لحررت بها العراق

في صباح 29\\7\\1948 تقدمت فتاتان من الحارس في الجبهة الجنوبية (سروات كوفيش اليوم) وكانت كل واحدة منهما تحمل لجنا فارغا على راسها، وسالتاه ان كان الوضع الامني يسمح لهما بالدخول الى كرم العنب المعرش الممتد امام خندق السروات وبمحاذاته لتقطفا العنب الذي كان من النوع الاسود الذي ينضج مبكرا.

نحن نعلم ان هذه الصورة هي لمقاتلين من الطيرة ولكننا لا نملك تفاصيل هويتهم 

نظر الحارس امامه ثم يمينا ويسارا ثم حمل المنظار وتفحص المنطقة جيدا قبل او يوافق على دخولهما، ولكن ما ان مضى على دخولهما الكرم بضع دقائق حتى سمع الحارس صوتا مريبا وصله عبر الكرم فاخذ يتصرف حالا دون تردد حسب معطيات الواقع المستجد. فقد يكون هناك كمين او تسلل من قبل اليهود وقد يكون الصوت الذي سمعه اشارة منهم لبعضهم البعض لكي يقبضوا على الفتاتين او يقتلوهما…وحالا وبدون تردد وفور مرور هذا الهاجس في مخيلته نادى على الفتاتين لتخرجا، وفي نفس بعث صريخا الى القرية يطلب النجدة، اخذ الصريخ يعلن بصوت عال في ساحات الطيرة وشوارعها بان فتاتين طيراويتين مهددتان بالاسر والقتل في الجبهة الجنوبية.

استنفر النبا الدم في عروق الشباب فالفتاتان في مثل هذه الظروف تمثلان شرف الطيرة كلها وعرضها كلها، وسرعان من امتلآت بهم الشوارع والطرقات وهم ينطلقون شاهري السلاح كالعواصف العاتية نحو الجبهة الجنوبية.

كان احمد عبد الرحمن ابو خيط من اوائل من وصلوا، وكان احمد طيلة الوقت الماضي يقاتل مع جيش الانقاذ في الجليل، حيث شارك في معارك الشجرة وغيرها من معارك الشمال وكان قد عاد قبل بضعة ايام فقط الى قريته.

عندما وصل الصريخ الى الساحة المركزية (المحص) كان احمد يقف هناك بدون بندقية وفورا اختطف بندقية من احد المسنيين وشيئا من الذخيرة وانطلق الى الجبهة الجنوبية كالسهم ولم يتوقف عند الخندق او الطابة بل استمر في تقدمه مندفعا بغيرة الشباب وحرارة الاحرار، ولو توقف احمد لعلم ا الفتاتين كانتا قد خرجتا من الكرم وعادتا الى بيتيهما بسلام، وكان ذلك على اثر سماعهما لصرخة الحارس الاولى عندما دعاهما للخروج حالا.

ولكن من اين لاحمد ان يعرف اثناء اندفاعه ان مجموعة من الجنود الاسرائيلين كانت قد تسللت ليلا عبر المنطقة الحرام وحفرت حفرة كمنت فيها على الطرف الاخر لكرم العنب ، وغطت رمل الحفرة باغصان العنب اليابسة.

وطا احمد الكمين دون ان ينتبه له ووجد المتربصون به لقمة سائغة، فاطلقوا عليه النار واصابوه اصابة بالغة سلبت منه المقدرة على المشي او الزحف بعد ان اخترقت الرصاصة نحره وخرجت من خاصرته مما يدل انه كان يتقدم الى الامام وهو يحني جذعه.

سقط احمد على الارض وشعر به اخوانه الذين تدفقوا ورائه الى الكرم، واخذ الكمين يطلق عليهم النار ليحول دون وصولهم اليه، وهنا تحول هدف المعركة من انقاذ الفتاتين الى انقاذ جريح.

اقتحم شباب الطيرة كرم العنب وتصدى لهم كمين عن قرب بنيران كثيفة ولكن شباب الطيرة استمروا في تقدمهم واقتحامهم شبرا شبرا مما اثار خشية الاسرائيليين على جنود الكمين من ان يبادوا او يقعوا اسرى في يد الطيراويين فزجوا بقوات اضافية للمعركة واصبح هدفهم الاساسي هو انقاذ الكمين.

تصاعدت وتيرة القتال واصبح وجها لوجه وغدا رد القنابل اليدوية بالاكف واعقاب البنادق فثارت حمية الضابط العراقي وعبر عن اعجابه باستبسال شباب الطيرة بان تناول قبعته(الفيصلية) عن راسه وخبط بها الارض قائلا (والله لو كانت هذه الضيعة (الطيرة) عندي لحررت بها العراق) (والمقصود عراق نوري السعيد)، ورغم ان الجندي العراقي معروف بشجاعته وكفاءته القتالية واستعداده للتضحية في سبيل العرب اينما كانت الا ان عبارات الاطراء والتواضع امام شجاعة واخلاص مقاتلي الطيرة قد تكررت كثيرا على السنة الضباط العراقيين حتى اصبح ذلك مالوفا وهذا ما حدا باحد الضباط العراقيين لانه يقول مرة (لو اخذنا الجنود من فلسطين والمدفعيين من العراق والطيارين من المصريين لتشكل عندنا جيش عربي لا يقهر).

واخيرا ومن خلال قتال شرس تمكن مقاتلان من الوصول الى الجريح احمد فحملاه واخرجاه من ساحة القتال ولكن ما كادت السيارة تمضي قليلا في اتجاه نابلس حيث المستشفى حتى فاضت روحه الطاهرة وعادت الى بارئها راضية مرضية بعد ان بذل رفاقه في السلاح اغلى ما يملكون فخاطروا بالروح والدم من اجل انقاذه، واليوم وبعد ان يطلع اي فلسطيني او عربي على سطور هذه الملحمة المشرفة لا بد وان يلمس شيئا من سلوك ومزايا المنتصر وعكسها بالطبع سلوك وتصرف المهزوم.

وقد سقط في هذه المعركة الشريفة ثلاثة ابطال من ابطال الطيرة والذين اسرعوا للحفاظ على شرف الطيرة وعرضها وهولاء هم:

1) الشهيد احمد عبد الرحمن ابو خيط

2) الشهيد خليل عبد الحق ناصر والذي اصيب بقذيفة مباشرة مقابل بوابة ديوان المرحوم ابو حمد وهو يحمل بندقية صيد

3) الشهيد جبر عبد الجبار سلطان.

تعليقات الفيسبوك