خطأ مرعب غيَّر حياة عدة رجال إلى الأبد.. والسبب نقطة!

يعتبر التصحيف، خطأ كتابياً، في المقام الأول، لأنه مرتبط بالحرف المكتوب الذي جرى عليه تغير في مكان النقطة، إلا أنه يشمل في استخدامه، التصحيف في المتون، والتصحيف اللفظي، وما يعرف بتصحيف البصر، والتصحيف السمعي، وكل خطأ بالنقل والضبط والنسبة والكتابة، دخل في التصحيف الذي جهد كثير من اللغويين العرب القدامى، لضبطه وتصويبه، لما ينطوي عليه من خطورة، لا تُغيّر وحسب في المعنى، بل يبدو أنها غيّرت حياة أشخاص، رأساً على عقب، وفي شكل جد عنيف. ويذكر أن التصحيف لا يزال واقعاً إلى زمننا الحاضر، في الأسماء، بصفة خاصة، حيث كثيراً ما وقع لبس في أسماء مثل “غالية وعالية وعابد وعايد وعبد وعيد” بسبب تشابه الأحرف وسهولة جريان النقطة على الحرف القابل للتصحيف.
ويؤدي تشابه الحروف، وأمكنة التنقيط، إلى أنواع كتابية من التصحيف، ككلمة “رَيب” التي صحِّفت إلى “زيت” في رواية يتداولها مصنّفون قدامى. ويعرّف التصحيف على أنه تغييرٌ في أمكنة التنقيط، ولهذا يعتبر خطأ إملائياً، في أصله، خصوصاً أن اللغويين العرب القُدامى يطلقون مصطلح “التصحيف” فوراً، على كل كلمة فيها خطأ بمكان وضع النقطة، من مثل ما يورده الأزهري في “تهذيب اللغة” عندما ينقض مقولة “الحنّة خرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها” فيسمي الخطأ تصحيفاً ويصححه بقوله: “الأصل الخبّة بالخاء”. ومثلها كلمة “الجدّاد” بالجيم، في موضع، فيطلق عليها مصطلح التصحيف، ويصححها: “وصوابه الحدّاد، بالحاء”.
مروّع.. إخصاء هؤلاء أم إحصاء هؤلاء!
وللتنقيط أهمية بالغة في تحديد المضمون، خصوصاً في حالات قد يشكل فيها المعنى، وقد ينقلب رأساً على عقب ويتسبب بمأساة. فقد أورد الحسن بن عبد الله العسكري (293-382هـ) في مصنّفه الشهير “أخبار المصحّفين” أن نقطة وضعت على حرف، من طريق الخطأ، كانت نتيجتها مروّعة بحق أشخاص هم المقصودون بتلك الكلمة التي صحِّفت. ويقول العسكري الذي كان اللغوي الشهير أبو هلال العسكري من تلامذته وابن أخته، إن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، أرسل كتاباً إلى أحد عمّاله، ليقوم بإحصاء المخنّثين، بالحاء، فجاءت الكارثة على هؤلاء أن الإحصاء تم تصحيفها، عبر وضع نقطة على الحاء، فأصبحت إخصاء، بالخاء، وحلّت البلوى على هؤلاء، وتم إخصاؤهم، فعلاً! ويوضح العسكري أن التصحيف تمّ من قبل كاتب الكتاب الذي وجّهه الخليفة إلى عامله. وتقول صيغة الكتاب الرسمي التي أوردها صاحب “أخبار المصحفين”: “كتب سليمان بن عبد الملك إلى ابن حزم، أن أحصِ من قبلك من المخنّثين، فصحَّف كاتبه فقرأه: أخصِ من قبلك من المخنثين، قال: فدعاهم فخصاهم!”.
ويشار إلى أن صاحب “أخبار المصحّفين” يورد رواية أخرى، أيضاً، لتلك الحادثة، تقول إن ثمة من قال لسليمان بن عبد الملك إن المخنّثين أفسدوا النساء في المدينة، فكتب إلى ابن حزم أن أخصِ فلاناً وفلاناً حتى عدّ أربعة منهم، كما تقول الرواية. ويوضح أن ثمة من سأل كاتبَ ابن حزم هذا، عن أن حقيقة الكتاب تقول “أحصهم” بالحاء، فيرد الرجل قائلاً: “يا ابن أخي، واللهِ عليها نقطة!”. وعلى ذات المنوال فعل صاحب “الأغاني” في رواية الحاء والخاء، فيورد رواية التصحيف التي أدت إلى ما أدت إليه من إخصاء، شارحاً السبب بأن الكِتاب قُصِد منه “إحصاء” المخنثين، ليعرفهم فيوفد من يختاره للوفادة. إلا أنه يذكر الرواية الثانية، أيضاً، والتي تقول إن النقطة موضوعة أصلاً، على الحاء

تعليقات الفيسبوك