لا تغريد خارج السرب بقلم: جوني منصور

طلعت علينا في الأسابيع الأخيرة مجموعة من البيانات والقرارات الرسمية والخاصة تتعلق بمزيد من مظاهر وصور العنصرية وسياسات التمييز ضد المواطنين العرب في اسرائيل. وليس بخفي على أحد من القراء النبهاء أن في هذه الدولة من الابتكارات العنصرية ما لا يمكن حصره او احصائه بالمرة. حتى ليبدو الأمر ان إنتاج العنصرية في اسرائيل فاق بمئات المرّات ما انتجته انظمة حكم عنصرية وعرقية عبرت في التاريخ، معظمها اختفت، بل تبخرت ولم تعد قائمة إلا في كتب التاريخ.

01073900823770333715884670208401

* الطالب العربي بنصف

كان المشهد الطريف هو قرار وزارة المعارف في تقليص مخصصات دعم الطلبة العرب الدارسين لشهادة معلم مؤهل، والذريعة أن هناك آلاف منهم قد حصلوا الشهادة ولا يعملون، اي أنهم في حالة بطالة. في حين أن هناك نقص في المعلمين في المدارس اليهودية، لذا ستزيد الوزارة من المخصصات لدعم تعليم الطالب اليهودي ليصبح معلما، علما أن هناك عزوف كبير في أوساط اليهود عن وظيفة المعلم، والتي أصبحت في أسفل درجات الوظائف في اسرائيل بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة بضرب جهاز التربية والتعليم، وتواطؤ نقابات ومنظمات المعلمين مع الحكومة لتحقيق المزيد من التضييق على خناق الجهاز.

لكن، لنضع هذا الأمر جانبا، وقد نعود إلى تناوله في مقالة اخرى قريبًا، فإنّ قرار الوزارة بخصوص تقليص الدعم للطالب الأكاديمي العربي هو العنصرية بعينها، وليس أقل من ذلك. وتتناغم خطوة الوزارة هذه مع

خطوات أخرى تتخذها وزارات أخرى كوزارة الداخلية التي تشترط تحويلات مالية من خطة الاشفاء ودعم المجالس العربية بقيام المجالس والبلديات بهدم البيوت غير المرخصة… إنها سياسة العصا والجزرة!!!

ووزارة التربية لا تغرد خارج السرب، أي لا تُغرّد خارج سرب المغردين لفرض المزيد من الإجرائات العنصرية والتضييقات على العرب في اسرائيل…. وأكثر من ذلك، وهذا ما نوجهه إلى وزارة التربية والتعليم: من هو المسؤول الأول والأخير عن حالة البطالة في قطاع التعليم العربي؟ نسيت هذه الوزارة وسائر الوزارات تلك السياسات التمييزية لرفض قبول الطلاب العرب في مواضيع معينة في الجامعات اعتبرتها حساسة. وهل نسيت الحكومة عمومًا سياسات رفض قبول العرب للعمل في مصانع ومشاغل حكومية لمجرد كونهم عربًا يُشكلون خطرًا على أمن الدولة؟ هل نسوا هذه الذريعة التي ترفرف علمًا اسود فوق رؤوسهم كمسؤولين.

* لا تأتوا إلى الفنادق، إنها مليئة بالعرب

ولم تخمد نار هذه القضية حتى اندلعت نارًا عنصرية أثخرى، وهذه المرة من القطاع الخاص. حيث أبلغت إدارة فنادق إحدى الشركات الكبيرة نزلائها اليهود بعدم الوصول إلى فنادقها المنتشرة في عدة مواقع في البلاد لأن العرب يحتفلون بعيد الفطر وستكون هناك أزمة في الفنادق… بمعنى أن إدارة الفنادق لا تغرد خارج السرب، عِلمًا أنّها من القطاع الخاص… فبدلاً من أن تبارك هذه الإدارة للمحتفلين بعيد الفطر وأن تكون الفنادق حيزًا لالتقاء العرب واليهود، تعمل على تضييق الخناق بطريق التفافي… واسرائيل ماهرة في مد الطرق الالتفافية…

وتعالت الأصوات المنددة بمثل هذه المظاهر، ودعا بعض قيادات عربية في الداخل إلى اتخاذ إجراءات… ما هي هذه الإجراءات التي يمكن أن تتخذ يا ترى؟

وانتهى المشهد هذا وكأنه لم يكن، إذ سرعان ما طويت صفحته تمهيدًا لاستقبال مشهد أو مشاهد أخرى في الموضوع ذاته أو قريبا منه.

* عبارة “الله أكبر” تمنعني من تعلُّم العربية

وأعتقد أن كثيرين لم ينتبهوا إلى ما قاله أحد مقدمي برامج الصباح على التلفاز الاسرائيلي في مطلع هذا الأسبوع عندما نوقشت مسألة تعليم العربية في المدارس العربية، ولماذا لا يُقبل الطلاب اليهود على دراسة العربية… كان رد هذا المقدم أنّه عندما يسمع عبارة التكبير ” الله أكبر”، لا يمكنه إلا أن يربط بين اللغة والإرهاب… هنا نجد أنفسنا وقوفًا أمام أزمة أخلاقية وتربوية خطيرة جدًّا يعاني منها مقدم البرنامج هذا وغيره آلاف من الاسرائيليين، قبل أن تكون سياسية… فعبارة التكبير لا تعني مطلقًا الإرهاب، ولا تقصده أبدًا… إنها مناداة الإيمان والعقيدة…إن ردًّا من طرف هذا المقدّم اعتبره تحريضا فاضحا في مؤسسات في اسرائيل. وأكثر من ذلك يدّعي هذا المُقدّم أنّ اليهودي ليس بحاجة إلى اللغة العربية في حياته اليومية. وبرأيي أنّ هذا صحيح، وأنّ العربي بحاجة إلى العبرية أكثر من العربية. وبرأيي هذا صحيح في حال أنّ العربي يتعامل مع أطراف ومرافق يهودية. لكن، غابَ عن هذا المقدم أنّ اللغة العربية هي رسمية في اسرائيل بفعل القانون، وأنّه يعيش في محيط عربي… سيكون ملزما في معرفة لغته، وإن لا الآن، ففي القريب يتوجب على اسرائيل الدولة والشعب أن يعلنوا موقفهم من وجودهم وحضورهم في المنطقة، إما أن يكونوا جزءا منها، أو أن يبقوا متمسكين بكونهم تابعين للغرب حضارة وفكرا ونهجا وسياسة وحربا.. ومقدم البرنامج وزميلته لا يغردان خارج السرب، إذ أنّ مثل هذه التوجهات حاضرة بل متجذرة في الحياة اليومية في اسرائيل. لقد تغلغلت أسس العنصرية ورفض قبول الآخر وتهميشه لدرجة لم يعد أعضاء السرب يرون من هم الذين حولهم وقريبين منهم…

* حاخام اسرائيلي: الفلسطينيون حيوانات

أما المشهد الرابع فكان تصريح من طرح اسمه للترشح لمنصب حاخام الجيش الاسرائيلي… إذ أنّه أجاز في السابق “نكاح الجهاد” في الجيش الاسرائيلي، بادعائه أنه يتيح للجندي الاسرائيلي اغتصاب غير اليهوديات خلال الحرب… وأضاف أنه يجب قتل “المخربين”يقصد الفلسطينيين، وهذا حلال… ونادى بحرق الانجيل المقدس لدى المسيحيين… عنصرية بلباس ديني وهي الأخطر من بين كل مكونات قائمة العنصرية. وهو بهذا التصريح المنقول على لسانه لا يغرد خارج السرب.أي أنّه عند اختلاط العنصرية بمركبات دينية، هذا يعني عمى فكري، وتوجيه فاضح نحو رفض الرأي الآخر، بل رفض الآخر وعدم القبول به كليًا. ولا بد لي من الإشارة إلى أنّ مثل هذه التوجهات تبرز بين الفينة والأخرى في خطابات دينية عربية محليًا وإقليميًا… فبدل ان يوجه الدين السوي إلى قبول الآخر بكونه انسانًا في الحد الأدنى، يتم توجيه نحو القتل والرفض والنبذ… ومن يسمح لنفسه بالخطاب الديني الرافض للآخر فإنّه لا يغرد خارج السرب الغارق بالعنصرية والتمييز. فلا فرق بين هذا وذاك.

ولو صدرت هذه التصريحات والأقوال على لسان غير يهودي، كرجل دين مسيحي في أوروبا لشمرت المؤسسة الرسمية في اسرائيل والاعلام فيها عن ملابسهم وقالوا: إنها “لا سامية”… لكن أن يُسمح لرجل دين يهودي في اسرائيل بمثل هذه التفوهات أمر عادي بات جزءًا من حالة الإجماع… إنّه لا يُغرِّد خارج السرب.

* ماذا نريد؟ وما المطلوب؟

أضعف الإيمان، الدعوة اليوم قبل الغد إلى فهم الآخر، وتقبله مهما اختلف عنك في دينه وايمانه ورؤيته للحياة… وهذا أمر يبدأ بالتربية في البيت، ثم المدرسة ثم المجتمع… فإذا كانت هذه الأطراف الثلاثة غير منتبهة إلى هذه التربية، وهمها تحصيل الطالب علميا وعلاماتيا، فإنّ التعليم يسير في منحدرات لا تحمد عقباها. وماذا نعرف عن التعليم والتربية في المدارس العبرية – اليهودية؟ ليس كثيرا… هل يتعلمون مثلا عن وجود العرب

الفلسطينيين في اسرائيل ؟ هل يتعلمون عن الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وممارسات جيش الاحتلال؟ هذا الجيش الذي تتغنى به اسرائيل باعتباره الأكثر أخلاقية في العالم…!!!

ما هو بائن وظاهر إلى الآن أنّ معظم المؤسسات والهيئات الرسمية وحتى الخاصة لا تغرّد خارج السرب… إنّه سرب مطيع وخاضع ومريح لربابنة السياسة في اسرائيل…

تعليقات الفيسبوك