الطائفة المسيحية ستفشل مشروع ساعر بيكو بقلم المربي تميم منصور

هناك أسماء يستغرق اندثارها من صفحات التاريخ وقتاً طويلاً، من بين هذه الأسماء البارزة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث جيمس بلفور بوعده المشؤوم ، ومارك سايكس وجورج بيكو المسؤولان عن شرذمة المنطقة المذكورة وتقسيمها الى شرائح سياسية وجغرافية لم يعد من الممكن اعادة اللحمة بينها ، رغم أنها كانت وحدة سياسية وجغرافية واحدة قبيل غروب شمس الدولة العثمانية .

tamim1

اعتمد مشروع سايكس بيكو في الكثير من جوانبه على الابعاد الطائفية والأطر القبلية ، وقد امسكت الدول الامبريالية بفتيل هذه النزعات ونجحت في تأجيج نيرانها بهدف تمزيق نسيج ولحمة المجتمعات التي سيطرت عليها ، مستغلة غياب اليقظة القومية وحالات التخلف والجهل التي سببها الحكم العثماني للأقطار العربية ، من كان يصدق بأن سوريا الكبرى سوف تقسم الى اربعة دول ، مع انها كانت على مر التاريخ العربي الاسلامي امتداداً للعراق ، ولا يفصلها عن مصر وشمال افريقيا وجزيرة العرب أية حدود سياسية .

الاسلوب ذاته استخدمته بريطانيا في شبه القارة الهندية ، فقد دأبت على اشعال فتيل النزاعات الطائفية بين الهندوس والمسلمين كي تتمكن من الاستمرار في بسط سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة ، ولم ترحل عن هذه المنطقة قبل ان تترك كل العناصر اللازمة لاستمرار اشتعال نيران الفتن الطائفية ، لأنها غير قادرة على التحرر من غرائز استعباد الشعوب الاخرى.

قبل ان ينحسر المد الاستعماري كان لا بد له من اقامة قواعد له في المناطق التي سيطر عليها كي يستغلها في المحافظة على مصالحه ، نذكر من هذه القواعد النظام الهاشمي في الاردن والنظام السعودي وما يسمى بدول التعاون الخليجي في جزيرة العرب ، واسرائيل فوق ارض فلسطين .

عملت اسرائيل قصارى جهدها كي تبقى الابن البار لكافة القوى الامبريالية التي حملتها في رحمها لمدة ثلاثة عقود ونيف قبل ان تلدها ، أي من صدور وعد بلفور حتى نكبة 1948 .

اسرائيل في ممارستها القمعية واحلامها بإقامة امبراطورية تجمع ما بين جشع الصهيونية والاحلام التوراتية لم تبتعد عن ممارسات ولاة أمرها وصانعيها ، فهي ما زالت تعتمد في حكمها وممارساتها القمعية على الكثير من تركة الانتداب البريطاني ، كالاعتقالات الادارية غير محدودة الزمن دون محاكمة ، ومصادرة الاراضي تحت اغطية قوانين الطوارىء ونسف بيوت المواطنين العرب دون رحمة وغير ذلك ، المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة تفوقت على ولاة امرها في جرائمها ضد الشعب الفلسطيني سواء في الداخل او في المناطق المحتلة والشتات ، وقد اثبت قادتها بانهم من صلب رؤية الرجل الابيض في كل تطلعاته التوسعية وشغفه في نهب ثروات الشعوب الضعيفة .

من بين الممارسات التي ورثتها المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة عن ولاة امرها استثمار الابعاد والانقسامات الطائفية بهدف اختراق الجماهير العربية في الداخل الفلسطيني وتحويلهم الى شرائح دينية هزيلة يسودها الحقد والاحتراب والتجزئة ، وقد اعترف رجل الشابك السابق “هلل كوهين “في كتابه العرب الصالحون بأن الاجهزة الامنية بالتعاون مع عدد من المستشرقين اليهود وضعت مخططاً مدروساً هدفه تجزئة وتقسيم المواطنين العرب ، ليس بمنعهم من التطور والتقدم واقامة قاعدة انتاجية خاصة بهم فقط ، بل ايضاً العمل على تعميق التجزئة الطائفية بين الجماهير العربية كي يتحولوا الى اقليات دينية لا حول لها ولا قوة بدلاً من كونهم وحدة قومية وطنية متماسكة ، لأن المؤسسة الحاكمة تعتبر وحدتهم وتماسكهم والالتفاف حول قوميتهم تهديداً لإمنها القومي .

بدأ هذا المخطط بفصل الشركس عن ثقافتهم العربية كونهم مسلمين سنة فاجبروا على استخدام اللغة العبرية في مدارسهم وقضاء مصالحهم بدلاً من لغة القرآن وهي اللغة العربية ، هذا الاسلوب خلق اجيالاً من ابناء الشركس غرباء عن محيطهم العربي والثقافة العربية الاسلامية ، بعد ذلك جاء دور الطائفية المعروفية ، فقد بذلت المؤسسة الحاكمة وخبرائها جهوداً كبيرة مستخدمة الكذب والتزييف لخلق قومية جديدة في اسرائيل وفي الشرق الاوسط اسمها القومية الدرزية ، والهدف معروف طبعاً بتر عضو هام من جسد الفلسطينيين في الداخل ، من بين المحاولات التي قامت بها المؤسسة المذكورة خلق ثقافة وتاريخ خاص بالطائفية المعروفية ، لكنها فشلت في مشروعها الانقسامي هذا ، والدليل على فشلها هذا ان عدد ونسبة الأدباء والكتاب والشعراء من ابناء هذه الطائفة يفوق نسبة الشعراء والادباء من الطوائف الاخرى ، هذا لم يمنع سقوط العديد من ضعاف النفوس في مصائد المحاولات الصهيونية ، لكن هذا السقوط شمل كافة الطوائف .

هذا الفشل مع الطائفة المعروفية لم يثن القائمين على هذا المشروع التصفوي الانفصالي ، حاولت هذه القوى اختراع قومية جديدة هي القومية البدوية ، لكن الغالبية العظمى من المواطنين العرب من البدو سخروا من هذه المحاولة رغم وجود المئات من المجندين المرتزقة يخدمون في جيش الاحتلال كقصاصي اثر .

اليوم ومنذ اكثر من سنة لم تتوقف المؤسسة الامنية في اسرائيل عن محاولاتها للبحث عن شرخ جديد لتمزيق اللحمة الوطنية وهتك نسيج القومية بين الجماهير العربية ، مستخدمة من جديد السلاح الطائفي ، هذه المرة تجري محاولات للاعتداء على ابناء الطائفة العربية المسيحية معتمدة على بعض المتواطئين ، لكن وعي المواطنين العرب كافة من كافة الطوائف وفي مقدمتهم المسيحيين تصدوا لهذه المؤامرة واجهضوها وهي ما زالت في المهد ، هذا بدوره دفع المؤسسات الظلامية لاستخدام بذور انشقاق جديدة ، هدفها تفكيك وتحطيم قواعد الانتماء القومي والوطني للجماهير العربية ، حمل هذه البذرة الغريبة وزير الداخلية المستقيل “غدعون ساعر ” فقد اخترع قومية جديدة اسماها ( القومية الآرامية) وقرر الباسها للطوائف العربية المسيحية .

ان هذا المشروع العنصري يمثل نهجاً سياسياً خطيراً يعتمد على مبدأ فرق تسد ، انها بدعة انتمائية جديدة ، لأن مسيحيو فلسطين هم جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني ، والقومية العربية بالنسبة لهم تعكس حضارتهم وتاريخهم وهويتهم لانهم يشاركوا في صياغتها وصنعها ، لم يجد هذا الوزير العنصري شيئاً يقدمه للمواطنين العرب سوى نثر المزيد من بذور الشقاق بينهم ، حتى يخلق سايكس بيكو طائفي بينهم ، او ربما يحلم بتسمية مشروعه ” ساعر بيكو ” .

ان وعي المواطنين العرب من كافة الطوائف خاصة الطوائف المسيحية الذين كان لهم الفضل في تحريك عجلة يقظة القومية العربية الحديثة في كافة الاقطار العربية ، سوف يرد مشروع ساعر الى نحر صاحبه فقط اذا خرست الأصوات التي تدعو للتجنيد وتمارس ليل نهار اقناع الشباب بالالتحاق بالجيش والتغني بالمساواة والانخراط بالمجتمع الاسرائيلي .

هنا تحضرني قصة للجاحظ تقول :

سمعت في بلاد فارس حكاية عن فأس ليس فيها عود قد القيت بين الشجر ، فقال الشجر لبعضه البعض ، ما القيت هذه ها هنا لخير ، فقالت شجرة عادية ان لم يدخل في است هذه عود منكن فلا تخفنها .

اذا لم يتقدم عود ويدخل است فأس ساعر ويضرب عنق اللحمة الوطنية ، لن تتحقق أمنياته في التمزق ، لذلك على الاشجار – رجال الدين والاحزاب والمجتمع – المحافظة على أعوادها والتصدي لكل منشار يحاول نزع عود .

تعليقات الفيسبوك